الدكتور عادل الدباغ .. لهذه الأسباب يجب تجريم “الجبيرة التقليدية “

إن أشد الأمور استفزازا تصديق السواد الأعظم لما يقوم به الجبار التقليدي أو “البيطر” كما يطلق عليه في بعض البوادي ..البيطر ذلك الذي “يجبر كسور” الحيوان كما الانسان لأن الأمر بالنسبة إليه سيان والفرق يكمن في ملكة العقل واللسان .

هذا القول التهكمي ليس من منطق السوداوية، بل هو من منظور الواقعية التي تفرض نفسها بقوة في الذاكرة الشعبية المغربية حيث أن الجبيرة التقليدية تعتبر من أبرز الطرق الشائعة لمعالجة الكسور باعتبارها نتاج تراكم تجارب نحتت عبر سنوات عدة إن لم تكن لمدة قرون وترسخت في عقول المغاربة في سياق الطب الشعبي المتوارث عن مشايخ الحي وعجائزه .

وفي ظل هذه الجائحة عرفت “الجبيرة التقليدية العشوائية” انتشارا كبيرا مقارنة مع السنوات الفارطة نظرا لعدة أسباب جعلت منها أسلوبا لتجبير الكسور دون الاهتمام بالمخاطر والمضاعفات الخطيرة التي تطرق إليها الدكتور عادل دباغ أخصائي أمراض العظام والمفاصل  خلال هذا الحوار .

أجرى الحوار : خولة زين الدين

هل يمكن اعتبار “الجبيرة التقليدية” مشكلة عويصة تؤثر على المنظومة الصحية بصفة عامة ؟

إن الجبيرة التقليدية تعتبر من أعمق المشاكل التي تواجهها المنظومة الصحية بشكل عام والمجتمع بشكل خاص، نظرا للآثار الصحية والاجتماعية والاقتصادية الناتجة عن هذا النوع من التدواي الذي يكبح ويلجم إمكانيات الطبيب ويجعله عاجزا أمام حالات البثر التي يكون سببها التعاطي لمثل هذا النوع من العلاجات التقليدية .

ما هي الأسباب التي تجعل هذه الظاهرة تستمر في الانتشار على مدى سنوات  ؟

الجبيرة التقليدية شبيهة بالوباء وذلك نظرا لغياب إحصائيات تحيلنا على معرفة عدد الأشخاص الذين لجئوا إلى الجبار التقليدي كخيار أول لتجبير الكسر، إضافة إلى تكتم المرضى عن ذهابهم إلى الجبار التقليدي وعدم امتلاكهم جرأة وشجاعة الاعتراف بالخطأ عندما  يتوجهون إلى المستشفى بعد تعرضهم لمضاعفات خطيرة  بسبب الجبيرة التقليدية،  كما أن غياب اهتمام وزارة الصحة وجمعيات المجتمع المدني بهذا الموضوع يساهم بشكل كبير في انتشار العلاج بالجبيرة التقليدية العشوائية الشيء الذي يضيع علينا فرصة إنقاذ ما يمكن إنقاذه من الأجيال القادمة التي لم تكن سابقتها أوفر حظا . وما يحز في النفس أكثر أن هذه الممارسات تمارس على عين من السلطة وليس هناك من يحرك ساكنا.

ما هي الدوافع التي تجعل بعض المغاربة يلجئون ل”الجبار التقليدي” عوض الذهاب إلى المستشفى لتلقي العلاج المناسب ؟

يعتبر التواجد بهوامش المدن وضواحي المغرب العميق والفقر وغياب وسائل التنقل إضافة إلى غياب الثقة في الطبيب ووضعها في  “جبار القرية”، من بين الأسباب التي تؤدي إلى انتشار التداوي عن طريق الجبيرة التقليدية العشوائية التي يقوم بها ذلك البيطر “الحكيم” الذي حول حياة رضع وأطفال إلى مأساة وجحيم لا يطاق.

وضع من هذا القبيل، مضافا إليه قلة ذات اليد، وسيادة الجهل وطبيعة العقليات التي تهيمن عليها العادات والتقاليد وسيادة مفهوم ” بركة الولي وكراماته” التي استحوذت على تصورات عامة الناس باعتبار” الشريف” شخصا خارقا للعادة،  خلق تحديا كبيرا لغالبية المجتمع وكبح عجلة الوعي بخطورة الجبيرة التقليدية  العشوائية.

كما أن الجهل يعتبر بالنسبة لي من أبرز الأسباب المؤدية إلى انتشار هذه الممارسات، بعدما تعاطاها “الجهال” والتي للأسف لا تقتصر فقط على الفئات الفقيرة بل تتعداها إلى المثقفين والأساتذة ، وهنا تكمن الكارثة التي غالبا ما يكون ضحيتها الأطفال. فالذهاب إلى “البيطر” الذي يقوم بتجبير جميع أنواع الكسور بنفس الطريقة أمر “كثرت البلوى فيه وعمت المصيبة وهلكت بسببه الأديان والأبدان بتعبير العقباني

ما هي عواقب ومضاعفات الجبيرة التقليدية العشوائية وهل هناك أمراض يمكن أن تترتب عليها ؟

لم تكن عملية الجبيرة التقليدية دائما مأمونة العواقب، حيث تؤدي إلى مشاكل ومضاعفات تعرض حياة المرضى إلى خطر بثر الأعضاء، وذلك لأنها تمارس في ظروف صحية سيئة إضافة إلى أن واضعيها يجهلون الطريقة الصحيحة لدواعي استعمالها، ويهددون سلامة المرضى ويساهمون في مضاعفة آلامهم، علاوة على استعمال مواد غذائية للتجبير كالبيض والطحين والقصب مباشرة على موضع الكسر “إن كان هناك كسر فعلا” بدون تعقيم . كل هذه العوامل تؤدي إلى مضاعفات خطيرة كاعوجاج الكسر وتقوس العضلات وبثر الأعضاء نتيجة تعرض العضو للتعفن والتخمج بسبب تلك المواد إضافة إلى انخفاض الدورة الدموية وموت الأنسجة والأوعية نتيجة الانتفاخ والضغط على الجلد .

كما أن معالجة “الجبارين” لجميع الحالات بنفس الطريقة من شأنه أن يجعل الكثير من الأشخاص يعيشون سيناريو بثر الأعضاء لا سيما الأطفال الذين يعتبرون ضحية جهل الآباء .

بالإضافة إلى ما سبق يجب التنبيه إلى أن الجبيرة التقليدية تسبب عدة أمراض من أبرزها مرض “فولكمان” وهي حالة خطيرة تحدث انكماشا عندما يكون هناك نقص في تدفق الدم . ويحدث هذا عندما يكون هناك ضغط متزايد على موضع الكسر الشيء الذي يتسبب في انخفاض الإحساس ، تنميل ، وخز ، وضعف المنطقة المصابة – شحوب الجلد – ألم شديد لا يختفي بعد تناول الدواء – تورم أو عدم القدرة على تحريك الجزء المصاب مدى الحياة .ويمكن أن يصاب الشخص الذي لجأ إلى الجبيرة التقليدية بهذا المرض بعد ست ساعات أو خمسة كأحد أقصى من وضعه الجبيرة بشكل مضغوط جدا ليغدو بذلك عالة على محيطه وعلى المجتمع .

ما هي الإجراءات التي يجب اتخاذها للحد من انتشار التدواي ب”الجبيرة التقليدية” ؟

شئنا أم أبينا يبقى تأثير الجبيرة التقليدية على المجتمع كبيرا  فأي شخص تعرض لمضاعفات خطيرة آلت إلى بثر عضو من أعضائه يتحول إلى عاهة على المجتمع وربما يستفيد من تعويضات مدى الحياة من قبل الدولة،  لذلك أفضل سلاح لمنع ومكافحة انتشار فيروس ” الجبيرة التقليدية” يكمن وبالأساس في نشر الوعي عن طريق القيام بحملات توعوية تستهدف البوادي والقرى، واستغلال وسائل الإعلام السمعية البصرية ووسائل التواصل الاجتماعي، للحديث عن المخاطر الوخيمة للجبيرة التقليدية عن طريق برامج وإشهارات وغير ذلك .

بالإضافة إلى ذلك وجب تجريم الجبيرة التقليدية العشوائية وتحويلها إلى جنحة بالرغم من عدم توفر شكاية، فالدولة يجب أن تتدخل بشكل فوري لإغلاق الأماكن المخصصة لمثل هذا النوع من العلاجات العشوائية ومتابعة وزجر كل شخص يقوم بها . كما يجب على الأطباء تبليغ السلطات على الحالات الواردة والتي تعاني من مضاعفات الجبيرة التقليدية.

ولكي نمنع فرصة التفكير في اللجوء إلى “الجبار التقليدي” على المرضى وتضييق الخناق على من يتلاعب بصحة الناس بغير حق، وجب توفير جميع الوسائل الطبية من جبس وراديوهات والامكانيات اللازمة لعلاج ومتابعة هذه الحالات، مع الالتزام التام للأطر الطبية بالحضور في المراكز الصحية العمومية في جميع الأوقات وتخصيص رقم خاص للتبليغ عن عدم وجود الإطار الطبي في توقيت عمله .

ولمواجهة هذه الممارسات يجب علينا أن لا نسلم بحتمية الاستسلام للواقع المرير بل لنؤمن بضروريات الاستمرار في مقاومة الجهل، فوعينا بالمشكلة يخلق وعيا بالحل، أي ندرك ما يحدث لتغيير ما سيحدث .

الآن وفي ظل هذه الظروف التي نعيشها بسبب فيروس كورونا هل تفاقمت في نظرك ظاهرة الذهاب إلى “الجبار التقليدي” وعلاج الكسر عن طريق الجبيرة التقليدية أو بالعكس عرفت انخفاضا ؟

لا ننكر أنه في ظل جائحة كورونا ساهم الحجر الصحي في التخفيف من هذه الظاهرة نظرا لحالة الطوارئ التي فرضتها البلاد وغياب وسائل التنقل وغيرها من الإجراءات الاحترازية التي اتخذتها السلطات. إلا أنه بالرغم من ذلك واجه العديد من المرضى الذين أصيبوا بكسور خلال فترة الحجر الصحي العديد من المشاكل كعجزهم عن التنقل إلى المدن أو عدم تمكنهم من تلقي العلاج في المستشفى بسبب تعطيل الخدمات والاستشارات الطبية التي ليست لها علاقة بفيروس كورونا وبالتالي يبقى خيار “الجبيرة التقليدية ” الأمثل بالنسبة إليهم  في مثل هذه الحالات.

كما أنه بعد رفع الحجر الصحي لاحظت تفاقم هذه الظاهرة وانتشارها أكثر من ذي قبل خاصة خلال الأسابيع الأخيرة نظرا لتدهور الظروف الاقتصادية بعد الحجر الصحي وبالتالي غياب إمكانيات العلاج بالنسبة لغالبية المرضى الشيء الذي يعيد الجبيرة التقليدية العشوائية كفكرة مهيمنة على العقول مع جائحة فيروس كورونا المستجد .

خاتمة :

سعت السلط التي حكمت مغرب العصر الوسيط خاصة الموحدية إلى تنظيم قطاع الطب وزجر المتلاعبين بصحة الناس. وقد تراوحت العقوبات التي كان ينزلها قضاة هذه الدولة بمنتحلي الطب من مشعوذين ودجالين ما بين الضرب بالسياط والسجن والدية .. في نظرك أيها القارئ هل أصبح من الملزم تطبيق قوانين جديدة  تتلاءم مع زمننا هذا لمنع مثل هذه الممارسات التي يروح ضحيتها أطفال وشباب أبرياء منهم من بترت أيديهم وآخرون بترت أرجلهم، أم أنك تعتبر “الجبيرة التقليدية” أسلوبا للتداوي منذ القدم ولا يمكن تجريمه أو الاستغناء عليه لأنه أثبت فاعليته ؟ شاركنا رأيك عبر التعليقات .

اقرأ أيضا
تعليقات
Loading...